الشوكاني

429

فتح القدير

الذين سبقت لهم منا الحسنى أي الخصلة الحسنى التي هي أحسن الخصال وهى السعادة وقيل التوفيق أو التبشير بالجنة أو نفس الجنة أولئك عنها مبعدون إشارة إلى الموصوفين بتلك الصفة عنها أي عن جهنم مبعدون لأنهم قد صاروا في الجنة لا يسمعون حسيسها الحس والحسيس الصوت تسمعه من الشئ يمر قريبا منك والمعنى لا يسمعون حركة النار وحركة أهلها وهذه الجملة بدل من مبعدون أو حال من ضميره وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون أي دائمون وفى الجنة ما تشتهيه الأنفس وتلذ به الأعين كما قال سبحانه ولكم فيها ما تشتهى أنفسكم ولكم فيها ما تدعون لا يحزنهم الفزع الأكبر قرأ أبو جعفر وابن محيصن لا يحزنهم بضم الياء وكسر الزاي وقرأ الباقون لا يحزنهم بفتح الياء وضم الزاي قال اليزيدي حزنه لغة قريش وأحزنه لغة تميم والفزع الأكبر أهوال يوم القيامة من البعث والحساب والعقاب وتتلقاهم الملائكة أي تستقبلهم على أبواب الجنة يهنئونهم ويقولون لهم هذا يومكم الذي كنتم توعدون أي توعدون به في الدنيا وتبشرون بما فيه هكذا قال جماعة من الفسرين يكون إن المراد بقوله إن الذين سبقت لهم منا الحسنى إلى هنا هم كافة الموصوفين بالإيمان والعمل الصالح لا المسيح وعزير والملائكة وقال أكثر المفسرين إنه لما نزل إنكم وما تعبدون الآية أتى ابن الزبعري إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال يا محمد ألست تزعم أن عزيرا رجل صالح وأن عيسى رجل صالح وأن مريم امرأة صالحة قال بلى فقال فإن الملائكة عيسى وعزيرا ومريم يعبدون من دون الله فهؤلاء في النار فأنزل الله إن الذين سبقت لهم منا الحسنى وسيأتي بيان من أخرج هذا قريبا إن شاء الله يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب قرأ أبو جعفر بن القعقاع وشيبة والأعرج والزهري تطوى بمثناة فوقية مضمومة ورفع السماء وقرأ مجاهد يطوى بالتحتية المفتوحة مبنيا للفاعل على معنى يطوى الله السماء وقرأ الباقون نطوى بنون العظمة وانتصاب يوم بقوله نعيده أي نعيده يوم نطوي السماء وقيل هو بدل من الضمير المحذوف في توعدون والتقدير الذي كنتم توعدونه يوم نطوي وقيل بقوله لا يحزنهم الفزع وقيل بقوله تتلقاهم وقيل متعلق بمحذوف وهو أذكر وهذا أظهر وأوضح والطي ضد النشر وقيل المحو والمراد بالسماء الجنس والسجل الصحيفة أي طيا كطي الطومار وقيل السجل الصك وهو مشتق من المساجلة وهى المكاتبة وأصلها من السجل وهو الدلو يقال ساجلت الرجل إذا نزعت دلوا ونزع دلوا ثم استعيرت للمكاتبة والمراجعة في الكلام ومنه قول الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب من يساجلني يساجل ماجدا * يملأ الدلو إلى عقد الكرب وقرأ أبو زرعة بن عمرو ابن جرير السجل بضم السين والجيم وتشديد اللام وقرأ الأعمش وطلحة بفتح السين وإسكان الجيم وتخفيف اللام والطي في هذه الآية يحتمل معنيين أحدهما الطي الذي هو ضد النشر ومنه قوله والسماوات مطويات بيمينه والثاني الإخفاء والتعمية والمحو لأن الله سبحانه يمحو ويطمس رسومها ويكدر نجومها وقيل السجل اسم ملك وهو الذي يطوى كتب بني آدم وقيل هو اسم كاتب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والأول أولى قرأ الأعمش وحفص وحمزة والكسائي ويحيى وخلف للكتب جمعا وقرأ الباقون للكتاب وهو متعلق بمحذوف حال من السجل أي كطي السجل كائنا للكتب أو صفة له أي الكائن للكتب فإن الكتب عبارة عن الصحائف وما كتب فيها فسجلها بعض أجزائها وبه يتعلق الطي حقيقة وأما على القراءة الثانية فالكتاب مصدر واللام للتعليل أي كما يطوى الطومار للكتابة أي ليكتب فيه أو لما يكتب فيه من المعاني الكثيرة وهذا على تقدير أن المراد بالطي المعنى الأول وهو ضد النشر كما بدأنا أول خلق نعيده أي كما بدأناهم في بطون أمهاتهم وأخرجناهم إلى الأرض حفاة عراة غرلا كذلك نعيدهم يوم القيامة فأول خلق